ابن الجوزي
215
صيد الخاطر
بل يبغض ، فان خاف منه خيانة احتاج إلى حراسته فقويت النّغص ، وأصلح المقدمات التوسط ، وهو اختيار ما تميل النفس اليه ولا يرتقي إلى مقام العشق ، فان العاشق في عذاب . وانما يتخايل « 1 » الفارغ من العشق التذاذ العاشق وليس كذلك . فإنه كما قيل : وما في الأرض أشقى من محب * وان وجد الهوى عذب المذاق تراه باكيا في كل وقت * مخافة فرقة أو لاشتياق فيبكي ان نأوا شوقا إليهم * ويبكي إن دنوا خوف الفراق فتسخن عينه « 2 » عند التداني * وتسخن عينه عند الفراق 169 - علو الهمة بلاء ما ابتلي الانسان قط بأعظم من علوّ همته . فان من علت همته يختار المعالي ، وقد لا يساعد الزمان ، وقد تضعف الآلة ، فيبقى في عذاب . واني أعطيت من علوّ الهمة طرفا فأنا به في عذاب ، ولا أقول : ليته لم يكن ؛ فإنه انما يحلو العيش بقدر عدم العقل « 3 » ، والعاقل لا يختار زيادة اللذة بنقصان العقل . ولقد رأيت أقواما يصفون علو هممهم ، فتأملتها فإذا بها في فن واحد ، ولا يبالون بالنقص فيما هو أهمّ ، قال الرضي : ولكل جسم في النحول بلية * وبلاء جسمي من تفاوت همتي فنظرت فإذا غاية أمله الإمارة ، وكان أبو مسلم الخراساني في حال شبيبته لا يكاد ينام ، فقيل له في ذلك فقال : ذهن صاف ، وهم بعيد ، ونفس تتوق إلى معالي الأمور ، مع عيش كعيش الهمج الرعاع . قيل : فما الذي يبرد غليلك . قال : الظفر بالملك . قيل : فاطلبه .
--> ( 1 ) يتخايل في أسلوب المؤلف : يتوهم ويتخيل . ( 2 ) تقول العرب : أقر اللّه عينه كناية عن الضحك والسرور ، فقال المولدون : سخنت عينه يكنون بها عن البكاء . ( 3 ) ذو العقل يشقى في النعيم بعقله * وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم